أخبار عاجلة
الرئيسية / الفتاوى / فتوى رقم ( 746 )
فتوى رقم ( 746 )

فتوى رقم ( 746 )

فتوى رقم ( 746 )
السائلة أم مازن تسأل _ السلام عليكم اخواني في دار الافتاء اريد منكم تقدموا لنا نصائح مجملة عن مايفطر الصائم في رمضان وكل مايخص الصائمين حتى اعرف ولما اقرء مرة واحدة من موضوع واحد للفائدة والثقة وان شاء سؤآلي مايكون ثقيل عليكم او فيه احراج وبارك الله فيكم . اختكم ام مازن .
أجاب على السؤآل سماحة مفتي جمهورية العراق الشيخ الدكتور مهدي بن احمد الصميدعي ( سدده الله تعالى ) الحمد لله رب العالمين وبه نستعين والصلاة والسلام على امام المتقين وقائد الغر المحجلين نبينا محمد الأمين واله وصحبه أجمعين وبعد : يُمكِننا أن نقسِّم مُبطِلات الصوم إلى قسمين:
قسم يُبطِل الصومَ، ويُوجِب القضاء والكفَّارة.
وقسم آخر يُبطِله، ويوجب القضاء فقط، دون الكفَّارة، وبيان ذلك على النحو الآتي:
أولاً: ما يُبطِل الصومَ، ويُوجِب القضاء والكفَّارة:
وذلك لا يكون إلا “بالجماع”، فمتى جامع الصائمُ عالمًا عامدًا في نهار رمضان، في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، أَنْزَل أو لم يُنْزِل، أَثِم بذلك، وفَسَد صومه، ووَجَب عليه القضاء والكفَّارة.
أما القضاء، فلأنه أَفسَد صومَه الواجبَ، فوَجَب عليه قضاؤه.
وأما الكفَّارة، فلحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: هَلَكتُ يا رسول الله، قال: ((وما أَهلَكَك؟))، قال: وَقَعتُ على امرأتي في رمضان، فقال: ((هل تَجِدُ ما تَعتِق رقبةً؟)) قال: لا، قال: ((فهل تَستَطِيع أن تَصوم شهرين متتابعين؟))، قال: لا، قال: ((فهل تَجِدُ ما تُطعِم ستين مسكينًا؟))، قال: لا، ثم جلس، فأُتِي النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – بعَرَق فيه تَمْر، فقال: ((تصدَّق بهذا))، قال: فهل على أفقرَ مني؟ فما بين لابَتيها أهلُ بيتٍ أحوج إليه مني، فضَحِك النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – حتى بَدَت نواجِذه، وقال: ((اذهب، فأَطعِمه أهلَك))[1].
ومعنى: “العرق”: المكتل، ويقال له: “الزبيل”، و”الزنبيل”.
ومعنى: “بَدَت نواجذُه؛ أي: أنيابه كما صرَّح به في روايةٍ أخرى.
في هذا الحديث بيَّن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – الكفَّارة وهي: عِتقُ رَقَبة، فإن لم يَجِد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يَستَطِع فإطعامُ ستين مسكينًا، هكذا على هذا الترتيب الوارد في الحديث، فلا يُطعِمُ إلا إذا لم يَقْوَ على الصيام، ولا يَصُومُإلا إذا لم يَجِد الرقبة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور.
مسائلُ وملاحظات:
1- يُشتَرط في صومِ الكفَّارة أن يَكون شهرين متتابعين؛ كما نصَّ عليه الحديث، والمقصود به الشهر الهجري لا الميلادي.
2- لو جَامَع في صومِ فرضٍ غيرِ رمضان، أو صومِ نفلٍ – فَسَد صومُه، ولا تَلْزَمه الكفَّارة. وبِهَذا قَطَع الجمهور.
3- إذا جَامَع مَن له رخصة بالفِطرِ، كالمسافر، والمريض، فلا إِثم عليه ولا كفَّارة؛ لأنه أُبِيح له الفطر، شريطةَ ألا يُفْسِد على الزوجة صيامَها إن كانت صائمةً، إنما يَجُوز له ذلك إذا كانت هي الأخرى لها رخصةُ الفِطر، أو كانت قد طَهُرت من حَيضِها أثناء النهار.
4- إذا جَامَع أكثر من مرَّة، فهو على النحو الآتي:

أولاً: أن يكون ذلك في يومٍ واحدٍ، فالراجح أن عليه كفَّارة واحدة؛ سواء كَفَّر عن التي قبلها، أم لا.
ثانيًا: أن يكون ذلك في أيامٍ متفرِّقة، فالراجح أن عليه كفَّارة لكلِّ يومٍ جَامَع فيه؛ لأنه عبادةٌ مستقلَّةٌ.
5- مَن جامع ناسيًا، أو جاهلاً حرمةَ ذلك – كمَن نشأ ببادية بعيدة، ولم يَعلَم أن جِمَاع الصائم حرامٌ – فلا شيءَ عليه، وأما إن كان عالمًا بالتحريم، لكنه جاهلٌ بالكفارة، لَزِمته الكفارة.
6- يَجِبُ على المرأة كفَّارة أيضًا إن طاوعت الرجل في الجماع، وهذا رأي الجمهور، وهو الأرجح؛ لأن المرأة تُشَارِك الرجل في الأحكام، إلا ما وَرَد ما يَخُصُّ كلاًّ منهما، وذلك لما ثَبَت في الحديث: ((النساءُ شقائقُ الرجال))[2].
وأما كون النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – لم يَذكُر الكفارة على المرأة في الحديث، فلا حُجَّة في إسقاط الكفَّارة عنها؛ وذلك لما يلي:
أولاً: أن المرأة لم تأتِ ولم تَستَفتِ، والاستفتاء لا يُشتَرَط فيه البحثُ عن حال الشخص الآخر؛ ولذلك لما جَاءَتِ الغامدية تَعتَرِف بالزنا، لم يسألها عن الزاني.
ثانيًا: ولأنه قد تَكونُ المرأة معذورةٌ يباح لها الفطر، كأن تكون طَهُرَت من حيض، أو قَدِمت من سفر، أو بها علَّة من مرض.
ثالثًا: ولأن بيانَ الحكمِ للرجل كافٍ في الفتوى، فهو يَشمَلُها عمومًا، وعلى هذا فلو كانت المرأةُ مكرَهةً، أو معذورة، فلا شيء عليها.
7- اختَلَف أهلُ العلم في مقدار الإطعام: فذهب مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ بأن يُطعِم كلَّ مسكين مُدًّا من طعام.
وذهب الحنفية: أنه لا يُجْزِئ إلا مُدَّان، والقول الأوَّل أرجح؛ لأنه وَرَد في بعض روايات الحديث: أن العَرَقَ كان خمسةَ عشرَ صاعًا، ومعلومٌ أن الصاعَ أربعةُ أمدادٍ، فيكون حظُّ كلِّ مسكينٍ رُبعَ صاعٍ؛ أي: مُدًّا.
8- إذا أعسر فلم يَستَطِع الكفَّارة، فإنها متعلِّقة بذمَّته لحين اليسار، وهذا الذي أيَّده شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجَّحه ابن دقيق العيد، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة.
ثانيًا: ما يُبطِل الصوم، ويُوجِب القضاء فقط:
1- الأكل والشرب عمدًا: والمقصود إدخال الطعام والشراب عن طريق الفم[3]؛ سواء كان الطعام مما يَنفَعُه، كاللحم والماء، أو مما يَضُرُّه كالتراب والسُّمِّ والدمِ.
فمتى أَدخَل الطعامَ إلى بلعومِه ذاكرًا عامدًا، فقد أفطر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ [البقرة: 187].
ويكون بذلك آثمًا؛ لتعمُّدِه معصيةَ الله بالإفطار، ويَلْزَمه التوبةُ، وعليه قضاءُ ذلك اليوم.
وأما إن أَكَل أو شَرِب ناسيًا، فلا شيءَ عليه، وليُتِمَّ صومَه؛ فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((مَن نَسِي وهو صائم، فأكل أو شَرِب، فليُتِمَّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه))[4].
وهذا الحكم يَشمَل الفريضة والنافلة لعموم الأدلة في ذلك.
وأما الجاهلُ بالتحريم، فإن كان بعيدًا عن بلاد الإسلام، أو كان قريبَ عهدٍ بالإسلام، فهو معذورٌ ولا شيءَ عليه، وأما إن كان مخالطًا للمسلمين، بحيث لا يَخْفَى تحريمُه، بطَل صومه.
2- القَيْءُ عمدًا: وسواء كان القيء قليلاً أو كثيرًا؛ وذلك لما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن ذَرَعه القَيْءُ وهو صائم، فليس عليه قضاءٌ، ومَن استقاء، فليَقْضِ))[5].
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تقايأ عمدًا، أفطر.
وقال الحافظ ابن حجر: “وأما القيء، فذهب الجمهور إلى التفرقة بين مَن سبَقه، فلا يُفطر، وبين مَن تعمَّده، فيفطر) [6].
3- الحيض والنفاس: ولو في اللحظة الأخيرة قبل غروب الشمس، فلا خلافَ بين أهل العلم بالفطر ووجوب القضاء عليها.
مسائلُ وملاحظات:
1- إذا تناول ما لا يتغذَّى به كالتراب، أو تَناوَل ما يؤذِي ويَضُرُّ كالسجائر؛ فإنه يَكون مُفطِرًا؛ لأنه تَنَاوَله من المَنْفَذ المُعتاد، وهو الفم.
2- حكمُ القُبْلَة والمُعَانقة والمُبَاشَرة دون الفرْج: كلُّ ذلك لا يُفطِر الصائم؛ فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: “كان رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يقبِّل وهو صائم، ويُباشِر وهو صائم، وكان أملكَكم لأَرَبِه”[7].
ومعنى “الأَرَب”: الحاجة، وقيل: العضو.
وعن عمر بن الخطَّاب – رضي الله عنه – قال: “هششتُ يومًا، فقبَّلتُ وأنا صائم، فأتيتُ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقلتُ: صنعتُ اليوم أمرًا عظيمًا؛ قبَّلتُ وأنا صائم، فقال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنت صائم؟)) قلتُ: لا بأسَ بذلك، قال: ((ففيم؟))[8].
والقُبْلَة والمُعَانقة والمباشرة دون الفرج جائزةٌ للصائم، إلا إن خَشِي على نفسِه إنزالَ المَنِي، أو ثَوَران الشهوةِ حتى تُوقِعه في الجماع، فكَرِهها لذلك بعض أهل العلم.
ولهذا تُكْرَه المباشرة للشابِّ دون الشيخ؛ لما ثبت عن أبي هريرة – رضي الله عنه -: “أن رجلاً سأل النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – عن المباشَرة للصائِم، فرخَّص له، وأتاه آخرُ، فسأله فنهاه، فإذا الذي رخَّص له شيخٌ، والذي نَهَاه شابٌّ”[9].
3- حكم الاستمناء للصائم[10]: وهو طلبُ خروجِ المَنِيِّ بوسيلةٍ كاليد، فإن استمنَى، فأَنْزَل، فقد ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى إفساد صومه، واستدلَّ الشيخ ابن عثيمينَ[11] لذلك بحديث النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فيما يرويه عن ربِّه: ((يَدَعُ طعامَه، وشرابَه، وشهوته من أجلي))؛ متفق عليه.
وإخراج المني شهوةٌ، فإذا لم يَدَعْها وطلبها، فإنه يكون مفطرًا، وأما لو فكَّر، فأَمنَى، فلا يَفْسد صومُه؛ لأنه حديثُ نفسٍ لا يؤاخذ عليه الإنسان[12].
4- المَذْي: إذا باشَر فأَمذَى، أو فكَّر أو لَمَس، فأَمْذَى، فصيامُه صحيحٌ، ولا يَفْسُد بذلك، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[13]، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي.
وقال الشيخ محمد صالح : “والحجَّة فيه عدمُ الحجَّة[14]؛ لأن الصوم عبادةٌ شُرِع فيها الإمساك على وجهٍ شرعيٍّ، فلا يمكن أن تَفْسد هذه العبادة إلا بدليلٍ” [15].
قلتُ: ينبغي للعبد أن يكون محافظًا على عبادةِ ربِّه، يَصونُها مما يُخِلُّ بها؛ ليتحصَّل الثواب الكامل؛ إذ إنه يوجد فرقٌ بين صحَّة العمل وبين قَبوله، فرُبَّ عملٍ وقع صحيحًا من حيث الحكم الفقهي، لكنه خالطه شوائِبُ تُبطِلُه وتُضيِّعه.
5- الجَنَابَة: إذا أصبح جُنُبًا من جماعٍ قبل الفجر، أو من احتلامٍ بالليل أو بالنهار وهو صائم، فصومُه صحيحٌ لا يَفْسد بذلك؛ لما ثَبَت في الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها -: “أن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – كان يُصبِح جُنُبًا وهو صائم، ثم يَغتَسِل ويَصُومُ[16]، هذا عن الجنابة، وأمَّا عن احتلام النائم، فلأن القلم مرفوعٌ عنه، كما تقدم في الحديث[17].
6- الكحل والقطرة، ونحوهما: لا تُفطِر الصائمَ، حتى لو وَجَد طعمَه في حلقِه؛ لأن العينَ ليست منفذًا معتادًا للطعام، وليس هناك حديثٌ صحيحٌ ينصُّ على أن الكحل مُفطِر، والصومُ عبادةٌ لا يُحكَم بفسادِه إلا بدليلٍ.
ويَنجَرِي هذا الحكم كذلك على قطرة الأُذُن والأَنفِ، لكن الأَوْلَى في الأنف الاحتراز عنها؛ لنهيِه – صلَّى الله عليه وسلَّم – عن المبالغة في الاستنشاق للصائم، وسيأتي الحديث في ذلك.
7- الاغتسال للصائم: يُبَاحُ للصائمِ الاغتسال والانغماس في الماء للتبرُّد، وقد تقدَّم حديثُ عائشةَ وأمِّ سَلَمة أن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – كان يُصبِح جُنُبًا، ثم يَغْتَسِل، وكان لأنسِ بن مالكٍ أَبْزَن يتقحَّم فيه وهو صائم[18].
و”الأَبْزَن”: حجرٌ منقور شبه الحوض.
ومعنى “يتقحَّم”؛ أي: يدخل فيه، والمقصود أنه يغتسل.
8- المضمضة والاستنشاق: لا يُفطِران الصائمَ، لكنه يُكْرَه له المبالغة في الاستنشاق؛ لما رواه أصحاب السنن من حديث لَقِيط بن صَبِرة أن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((وبالِغ في الاستنشاقِ، إلا أن تكون صائمًا))[19].
فإن سَبَقه الماء إلى جوفه بدون قصدٍ منه، حتى ولو مع المبالِغة المكروهة، فالصحيحُ أنه لا يُفطِر بذلك؛ لأنه غير متعمِّد.
9- الحِجَامة: جائزةٌ للصائمِ، والراجح أنها لا تُفسِد الصومَ؛ لأن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – احتجم وهو صائم، واحتَجَم وهو مُحرِم[20].
وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: “رخَّص رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في القُبْلة للصائم والحجامة”[21].
لكنها تُكْرَه من أجل ما تسبِّبه من ضَعفٍ، فعن أنسٍ – رضي الله عنه -: سئل: أكنتم تَكرَهُون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضَّعفِ[22].
وأما حديث: ((أَفطَر الحاجمُ والمحجومُ))[23]، فقد ذهب جمهور العلماء إلى القول بنَسْخه للأسباب الآتية:
أ- ما رواه الدارقطني – بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ – عن أنس – رضي الله عنه – قال: “أوَّل ما كُرِهت الحجامةُ للصائمِ أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمرَّ به النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: ((أَفطَر هذان))، ثم رخَّص النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – بَعْدُ في الحجامة[24].
ب- ما تقدَّم من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: “رخَّص رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في الحجامة”، والترخيص يكون بعد النهي.
10- خروج الدم: لا يُفسِد الصوم؛ سواء كان من بدنِه، أو رُعَافًا من أنفه، أو من أسنانه، أو من قلعِ ضرسٍ، أو الضغطِ على بثرة “دُمَّل”، لكنه يحترز من ابتلاعه.
وكذلك خروجه عن طريق الحَقْن لأخذ عيِّنات أو للتبرُّع به، لا يُفسِد الصوم.
11- الحَقْن: الحَقْن في الوريد أو العضل لا يُفْسِد الصوم.
واختلفوا في الحُقَن المغذِّية باعتبار أنها مما يتقوَّى به الإنسان، وأنها تقوم مقام التغذية، فيَرَون أنها تُفسِد الصوم بهذا الاعتبار.
وذَهَب فريقٌ آخرُ إلى أنها لا تُفطِر الصائم؛ لأن الطعامَ عن طريقِ الفمِ فيه معنى التشهِّي، والتلذُّذ بمَضغِه وبَلعِه، وهذا لا يوجد في الحُقَن.

قُلْتُ: والأَوْلى – والله أعلم – لمثل هذا أن يترخَّص برخصةِ الإفطار، ويقضي بعد ذلك.
13- السواك: استعمالُ السواكِ للصائمِ جائزٌ في أي وقت؛ سواء كان قبل الزوال أو بعد الزوال، وسواء كان السواك رطبًا أو يابسًا؛ وذلك لعموم الأحاديث الواردة في فضيلة السواك.
قال البخاري: “ولم يَخُصَّ الصائم من غيره” [25].
واستعمالُ معجونِ الأسنانِ جائزٌ، لكنه يُكْرَه لقوَّة نَفَاذِه إلى المَعِدَة؛ مما يؤدِّي إلى إفساد صومه، وأما إن كان يأمن من ذلك، وليس له قوة نفاذ، فلا بأس[26].
14- شمُّ الروائح: لا بأسَ بها للصائم، ولا تُفسِد صومَه، وليس مع القائلين بمنعِه دليلٌ يُعتَمد عليه، وسواء كانت هذه الروائح سوائلَ، أو بخورًا.
15- بلعُ الريقِ والنُّخَامة: يُبَاح للصائم بلعُ ريقِه، حتى لو جَمَعه ثم ابتَلعه، طالما أنه دَاخِل فمِه، ولو أنه شَرِب قبل الفجر، ثم طلع الفجر لا يَجِب عليه التَّفْل للتخلُّص من طعم الماء، فهذا مما يُتَسَامَح فيه.
وأما النخامة، فإنها إن نزلت إلى جوفِه مباشرة، فإنها لا تُفطِر الصائم، ولكنها إن خَرَجت إلى فمه، ثم ابتلعها، فهي شبيهة بالطعام، والراجح أنه يفطر بذلك، ورجَّح الشيخ محمد صالح عدم الفطر بها مطلقًا.
16- لا يَفسد الصومُ ما لا يُمكِن الاحتراز منه: كغُبَار الطريق، ونُخَالَة الدقيق، وما تبقَّى من الطعام بين الأسنان.
قال ابن المنذر: “أَجْمَعوا على أنه لا شيءَ على الصائم فيما يبتلعُه مما يَجْرِي مع الريق مما بين أسنانه، مما لا يقدر على إخراجه” [27].
17- يُبَاحُ للصائِم ذَوقُ الطعامِ: فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: “لا بأسَ أن يَذوقَ الخَلَّ، والشيءَ يُرِيد شراءَه، ما لم يَدخُل حلقَه وهو صائم”[28].
وعنه قال: “لا بأسَ أن يتطاعم الصائم العسل والسمن، ونحوه، ويَمُجَّه”[29].
وكان الحسن يَمْضَغ الجوز لابنِ ابنِه وهو صائم، وقال إبراهيم النخعي وعكرمة: “لا بأس أن تمضغ المرأة لصبيِّها، وهي صائمة”[30].
وشرطُ ذوقِ الطعام ألا يَدخُل منه شيء إلى حلقِه.
18- مَن يعمل في الأفرانِ، وفي الأعمال الشاقة، لا يُبَاح لهم الفطر؛ لأنهم مكلَّفون.
الواجب على من يعمل في الفرن تَبيِيت نيَّة صومِ رمضانَ بأن يُصبِحوا صائمينَ، ومَن اضطر منهم للفطر أثناء النهار، فيَجُوز له أن يُفطِر بما يَرَفع اضطرارَه، ثم يُمسِك بقيَّة يومه في الوقت المناسب”[31]؛ أي: وعليه قضاء ذلك اليوم.
فائدة وتنبيه:
هناك بعضُ المسائل العلاجية الحديثة، وهي لا تُفطِر الصائم أيضًا، وقد قرَّر ذلك مجلسُ مجمعِ الفقه الإسلامي المنعقد من 23 إلى 28 صفر 1418هـ، وهذه الأمور التي قرَّرها المجلس ما يلي[32]:
19- الأقراص العلاجية التي توضَع تحتَ اللسان لعلاج الذَّبْحَة الصدرية وغيرها: إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق، لا يفطر الصائم.
20- ما يَدخُل المِهْبَل من تَحَاميل “لُبُوس”، أو غسول أو مِنظار مِهْبَلي، أو إصبع للفحص الطبي: لا يُفْطِر الصائم.
21- إدخال المنظار واللَّوْلَب إلى الرَّحِم: لا يُفْطِر الصائم.
22- ما يَدخُل الإِحْلِيل أو مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى من قنطرة “أنبوب دقيق”، أو منظار، أو مادَّة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة: لا يفطر الصائم.
23- حفرُ السنِّ، أو قلع الضِّرسِ، أو تنظيفُ الأسنان أو سواك، وفُرْشَاة الأسنان: إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق، لا يفطر الصائم.
24- المضمضة والغَرْغَرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفمِ: إذا اجتنب ما نَفَذ إلى الحلق، لا يفطر الصائم.
25- غازُ الأكسجين: لا يُفطِر الصائم.
26- غازاتُ التخدير: البنج ما لم يُعْطَ المريض سوائل “محاليل” مغذِّية: لا يفطر الصائم.
27- ما يدخُل الجسمَ امتصاصًا من الجلد: كالدهانات، والمراهم، واللصقات العلاجية المحمَّلة بالمواد الدوائية أو الكيميائية، لا يفطر الصائم.
28- إدخال قنطرة “أنبوب دقيق” في الشرايين؛ لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء، لا يفطر الصائم.
29- إدخال منظار من خلال البطن؛ لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها، لا يفطر الصائم.
30- أخذُ عيِّنات من الكبد، أو غيره من الأعضاء، ما لم تكن مصحوبةً بإعطاء محاليل، لا يفطر الصائم.
31- وكذلك دخول أيِّ أداةٍ أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي، لا يفطر الصائم.
المكتب العلمي للدراسات والبحوث / قسم الفتوى
السبت 10 رمضان 1439 هجرية 26 آيار 2018
[1] البخاري (1936، 1937، 2600، 5368، 6087، 6709)، ومسلم (1111)، وأبو داود (2390)، والترمذي (724)، والنسائي في الكبرى (3117)، وابن ماجه (1671).
[2] حسن؛ رواه أبو داود (236)، والترمذي (113)، وأحمد (6/ 256).
[3] وكذلك ما قام مقام الفم في التغذية، كمَن فُتِحت له فتحة في بلعومِه يوضع له منها الطعام.
[4] البخاري (1933)، ومسلم (1155)، وأبو داود (2398)، والترمذي (721)، وابن ماجه (1673).
[5] صحيح؛ رواه أبو داود (2380)، والترمذي (720)، وابن ماجه (1676)، والحاكم (1/ 427)، وصححه الألباني؛ انظر: إرواء الغليل (930).
[6] فتح الباري (4/206).
[7] البخاري (1927)، ومسلم (1106)، وأبو داود (2382)، والترمذي (729)، وابن ماجه (1684).
[8] صحيح؛ رواه أبو داود (2385)، وابن خزيمة (1999)، والحاكم (1/21) وصححه، ووافقه الذهبي.
[9] رواه أبو داود (2387)، وإسناده حسن، والبيهقي (4/231)، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح.
[10] واعلم أن حكم الاستمناء حرام؛ لأنه يطلب شهوته من غير زوجة ولا ملك يمين، وقد قال – تعالى -: ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [المؤمنون: 6 – 7].
[11] الشرح الممتع (6/381).
[12] انظر: الشرح الممتع (6/390).
[13] الاختيارات الفقهية ص (108).
[14] يعني: عدم وجود دليل.
[15] انظر: الشرح الممتع (6/390).
[16] البخاري (1925)، ومسلم (1109)، وأبو داود (2388) من حديث عائشة وأم سلمة – رضي الله عنهما.
[17] صحيح؛ رواه أبو داود (4398)، الترمذي (1423)، وابن خزيمة (1003)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3514).
[18] رواه البخاري تعليقًا (4/153).
[19] صحيح؛ رواه أبو داود (142)، (143)، والترمذي (788)، وأحمد (4/211).
[20] البخاري (1939)، وأبو داود (2372)، والترمذي (775) وابن ماجه (1682).
[21] صحيح؛ رواه الدارقطني وابن خزيمة (1968)، وصححه الألباني.
[22] البخاري (1940).
[23] صحيح؛ رواه أبو داود (2367)، وابن ماجه (1680) من حديث ثوبان، ورواه أبو داود (2368)، وابن ماجه (1681) من حديث شدَّاد بن أوس، وصححه الألباني في إرواء الغليل (931).
[24] رواه البيهقي (4/268)، والدارقطني (2/182)، وقال: رجاله كلهم ثقات، ولا أعلم له علة. قلت: ويشهد له حديث أنس المتقدِّم أن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: رخَّص في القبلة للصائم والحجامة.
[25] انظر: فتح الباري (4/158).
[26] انظر: الشرح الممتع (6/428 – 429).
[27] انظر: الإجماع ص 16، وفتح الباري (4/160).
[28] حسن؛ رواه البخاري معلقًا (4/153)، ووصله ابن أبي شيبة (3/47)، وحسَّن الألباني إسناده لمتابعات؛ انظر: إرواء الغليل (937).
[29] رواه البيهقي (4/261)، وابن أبي شيبة (3/47)، وحسَّن إسناده الألباني؛ لأنه متابع للرواية السابقة في الإرواء (4/86).
[30] رواه ابن أبي شيبة (3/49).
[31] مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز (3/233­234).
[32] نقلاً من كتاب موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة؛ أ. د. علي السالوس.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*