الرئيسية / قسم الدعوة والدعاة / السؤآل : الصحفي بكر الزحيلي _ يبعث رسالة يطلب فيها من سماحة مفتي الجمهورية
السؤآل : الصحفي بكر الزحيلي _ يبعث رسالة يطلب فيها من سماحة مفتي الجمهورية

السؤآل : الصحفي بكر الزحيلي _ يبعث رسالة يطلب فيها من سماحة مفتي الجمهورية

السؤآل : الصحفي بكر الزحيلي _ يبعث رسالة يطلب فيها من سماحة مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور مهدي بن أحمد الصميدعي بيان حال السلفية التي وصفت بأوصاف بعيدة كلّ البعد عن ماتحمل من اسم يرجع اصله الى السلف الصالح ، وفي خِضَمِّ الأحداث المتسارعة والحَمَلات المقصودة لتشويه صورة الإسلام والإساءة المُغْرِضة للنَّيل من حَمَلَتِه ودعاته والمنتَسبين إليه؛ تتعالى الأصوات، وتتبارى الأقلام، ويتجرَّأ الإعلام ليرميَ بفكرةٍ في أوساط المثقَّفين وعمومِ الأمَّة، يريد لها أن تنضجَ لتصيرَ حكمًا وتقليدًا يتوارثه الأجيال، وتتناقله الألسن وتُسوَّد به الصُّحف، أنَّ السَّلفيَّة لا علاقة لها بالدِّين الصَّحيح، وأنَّها خطرٌ على أهل العالم ، وأنَّه لا فَرْقَ بينها وبين سائر المِلَل والمناهج المنحرفة الدَّاعية إلى البدع والضَّلال والتَّنصُّل مِن دين الأمَّة.
الجواب : سماحة مفتي جمهورية العراق الشيخ الدكتور مهدي بن احمد الصميدعي : الحمد لله وبعد : في مثل هذه الفكرة تتألَّق لتصير نحتًا مكتوبًا على بوابات الانترنيت والفضائيات والصحف، وكلامًا يتردَّد على الألْسُن، ويُذاع على مسامع النَّاس في المجامع الإعلاميَّة والثَّقافيَّة والدِّينيَّة دون أن يُرَدَّ أو يُناقش أو يُوضَع في ميزان النَّقد العلميِّ البنَّاء لَهُوَ مِنْ غَمْطِ الحقِّ وبَخْسِ النَّاس أشياءَهم، وإنَّ حكمًا جائرًا كهذا؛ لا يَحْسُن السُّكوتُ عنه ولا تجاوُزُه؛ لِمَا فيه مِن التَّلبيس والتَّضليل والتَّحريف، والتَّخوين لدعوةٍ مبرَّأةٍ مباركةٍ، لم يُعرف عنها وعَن حمَلَتها ـ عبر التَّاريخ ـ غيرُ السُّمعة الطَّيِّبة والذِّكر الحسن في جميع الأقطار؛ ممَّا يجعَل كلَّ مَن ينتسِب إلى السَّلفيَّة يشعر بمضاضة الظُّلم وغصَّة التَّعدِّي على أقدسِ ما عنده وهو دينُه؛ فلا يليق أبدًا إطلاقُ مثلِ هذه الأحكام الجائرة الَّتي لا تستَند إلى أساسٍ شرعيٍّ ولا عقليٍّ ولا واقعيٍّ، ولا استقراءٍ علميٍّ.
وإنَّه لمَّا رأى علماء ومشايخ السلفية مايجهر ضدهم من الافتراءات والدس وتشويه صورة السلف ، ورميهم بما لم يرتكبوه ولم يكن في جزئيات عملهم ولا اعتقادهم ، رأَوْا أن يجهروا في وجه المروِّجين لهذا الإفك، قائلين: إنَّ السَّلفيَّة ليسَت خطرًا على العالم ولا على أحدٍ مِنَ النَّاس؛ وكيف تكون خطرًا وهي دعوةُ العلم والأمن والأمان والرَّحمة، وشعارُها ودثارها سنَّة سيِّد المرسَلين ﷺ القائل: «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ».
فالسَّلفية هي الدِّرعُ الحصين الَّذي حُفِظ به دين هذه الأمَّة مِنْ زمن أبي بكرٍ ؓ أيَّامَ الرِّدَّة، ومرورًا بمحنة خلق القرآن أيَّامَ الإمام أحمد بن حنبل ، ووصولاً إلى زمَن الإمام ابن تيميَّة في فتنة التَّتار، وانتهاءً بزمننا هذا وبخاصَّةٍ في بلدنا العَزيز فتنة الاحتلال الأمريكي وما خلفه من الطائفية المقيتة ، واغلدور الفعّال لعلماء ومشايخ دار الافتاء العراقية ، بجيلها السَّلفيِّ المتميِّز؛ من أمثال الشيخ العلامة الفقيه عدنان الطائي ، والعلامة الفقيه الشيخ ياسين الحنبلي ، والشيخ العالم عبد الكريم زيدان ( أبو هالة ) والشيخ عبد الواحد الزوبعي والشيخ العالم في القراءات العشرة عبد الهادي ( أبو رحمة ابن الموصل) رحمهم الله ـ إلى أنْ عصفت بديارنا رياحُ الفتنة والهَرْج الَّتي أفسدت الحرثَ والنَّسل، وغُرِّر ـ يومئِذٍ ـ بكثيرٍ مِن الشَّباب بفكر الخوارج ممن تأثر بفكر السيد قطب ، فحملوا السِّلاحَ فدمروا محافظات بكاملها ، وقتلوا وسفكوا بل وتوحشوا ، ولم يَسْلَم غيرُهم مِن التَّلوُّث بهذا الفكر الخبيث أصلًا إلَّا بفتاوى ونصائحِ وتوجيهاتِ علماء دار الافتاء العراقية !! والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٥٢]؟
فالسَّلفية هي عودةٌ إلى نصوص الوحي (الكتاب والسُّنَّة) والتَّمسُّك بها، والعَمل بها وتعظيم أمرِها، والحرص على عدم مخالفتِها؛ وبهذا وَحْدَه تتحقَّق الهدايةُ الَّتي لا ضلال معها، والأمنُ الَّذي لا خوف بعده، والسَّعادة الَّتي لا شقاء فيها، والطُّمأنينة الَّتي لا خطر معها؛ قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣﴾ [طه].
نعم؛ إنَّ السَّلفيَّة خطرٌ على كلِّ منحرف مبتدعٍ يَتَأَكَّلُ ببدعته، وهي خطرٌ على كلِّ مخرِّفٍ يَسْتَمْلِحُ الشَّعوذةَ والخرافةَ ليضحك على عقول النَّاس، وهي خطرٌ على كلِّ حزبي يطمئنُّ إلى حزبيته وإن خالفَت سنَّةَ نبيِّه ﷺ، وهي خطر على كلِّ قبوريٍّ يعيش على ما يستَجْلِبُه سَدَنةُ أضرحَته مِن جيوب السُّذَّج مِن النَّاس، وهي خطرٌ على كلِّ علمانيٍّ يفصل الدِّينَ عن الدَّولة ويُقْصِيه عن الحكم، وهي خطرٌ على كلِّ دعوةٍ منحرفةٍ هدَّامةٍ تدعو إلى الخروج على الحاكم وسفكِ الدِّماء؛ فالسَّلفيَّة خطرٌ على كلِّ دعوةٍ خَرَجَتْ عن منهَجِ أهل السُّنَّة والجماعة ولم تنتهج سبيلها.
فهؤلاء وأمثالهم يرَوْن في الدَّعوة السَّلفية خطرًا داهمًا يهدِّد عروشَهم، ويدكُّ قواعدَهم، ويهدم صروحَهم الوهميَّة؛ لأنَّها دعوةٌ تعود بالنَّاس إلى دينهم الصَّافي، وإسلامهم الخالي مِن الخرافات والقتل ، وكلِّ انحرافٍ يكدِّر صفوَه ويشوِّه حسنَه، فلا مكان للدَّجل والخرافة والبدع والوهم والظَّنِّ والتَّخمين؛ فالعُمدة على الحجَّة والدَّليل والبُرهان المستَنِد إلى العلم الشَّرعيِّ الصَّحيح.
وقَد يُعتَرض علينا أنَّ عُذر هؤلاء المتَجرِّئين هو كونُ مصطلح السَّلفيَّة صار يُطلق اليومَ على كثيرٍ مِن دعاة الفَوضى والثَّورة والخروج على الحكَّام؛ فنقول جوابًا على هذا المعتَرِض:
لسنا بحاجةٍ اليومَ إلى إعادة تقرير أنَّه لا مشاحَّةَ في الاصطلاح، وأنَّ العبرةَ بالمعنى والمدلول، فالسَّلفيَّة مصطلحٌ معناه: منهجٌ علميٌّ عمليٌّ مصدره الوحي ـ الكتاب والسُّنَّة ـ على فهم السَّلف ـ رضوان الله عليهم ـ، ودعوةٌ إلى إخلاص العبادة لله وحده ولزومِ الجماعة ونبذِ الفُرقة، وطاعةِ وليِّ الأمر، فالسَّلفيَّةُ مصطلحٌ مرادفٌ لمصطلح «أهل السُّنَّة والجماعة»، أو «أهل الحديث»؛ وإنَّ كلَّ مَن تبنَّى فكرًا أو أسلوبًا مخالفًا لهذا المنهَج لا يمكنُ صبغُه ولا وصفُه بالسَّلفيَّة، فليس مِن السَّلفيَّة في شيءٍ مَن اتَّخذ أسلوبَ التَّكفير والهجر، واستَعمل طريقَ العُنف مِن القَتل والتَّفجير والاختطاف والتَّرويع، وسيلةً للدَّعوة والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، بل إنَّ هذا وأمثالَه يسيرون في خطٍّ مُوَازٍ للسَّلفيَّة لا يلتقُون معَها أبدًا ما داموا مُقيمين على ما هُم عليه، ومع هذا نجد كثيرًا مِن الأقلام والألسُن المُمْتَطِيَةِ لوسائل الإعلام المختَلفة تستَخدم هذا المصطلحَ ـ ظلمًا ـ في غير محلِّه، وتُنزِّلُه ـ تعسُّفًا ـ على مَن ليس مِن أهلِه، فيسحَبونه على مَن ضلَّت بهم السُّبُلُ وتقَطَّعت بهم الأسبابُ، وانحرفوا عن الفطرة السَّويَّة، فضلًا عن السَّلفيَّة النَّقيَّة، ويُسَمُّونهم ـ زورًا وبهتانًا ـ: السَّلفيَّة الجهاديَّة!
فالعجبُ لا ينقضي مِن هؤلاء المسيئين لاستِعمال هذا المصطلح ووضعِه في غير موضعِه، مع كثرةِ توالي البيَان مِن أهل العلم أنَّ هؤلاء (الثُّوَّار)، و(التَّكفيريِّين) و(الحزبيِّين) لا تصحُّ نسبتُهم إلى هذه الدَّعوة الميمونة، ولا يمتُّون إليها بصلةٍ، لكنَّ ضبابةَ العَجَب تنقشِعُ إذا علِمْنا أنَّ صنيعَهم ليس بريئًا، وإنَّما القَصدُ منه تمريرُ رسالةٍ وترسيخُ صورةٍ، وهي تشويهُ هذا المصطلح وما يحويه مِن معانٍ صحيحَةٍ، وأصولٍ ساميةٍ راقيةٍ، لتنفير النَّاس مِن حول علماءِ هذه الدَّعوة وحَمَلتها، وفي هذا مُسايَرةٌ لدوائرَ غربيَّةٍ منَ اليهود والنَّصارى، أرعبَها عودة الشَّباب في كثيرٍ مِن بقاع الأرض إلى لزوم هذه الدَّعوة المباركة وارتسام خُطاها، فرأَوْا أنَّ مِن وسائل صدِّ هذا الزَّحف السَّلفيِّ خَلْطَ الأوراق ومَزْجَ المعاني والتَّعميةَ والمغالطةَ، للتَّضليل والتَّلبيس، وتسويغِ محاربة السَّلفيَّة تحت مسمَّى تجفيف منابع الإرهاب وقطع دابِرِه، وإلَّا فالدِّقَّة الَّتي وصَل إليها العقلُ الغَربيُّ في علومه المادِّيَّة لا نَخَالُها أبدًا تتعثَّر في تحديد مصطلحٍ ظاهرِ المعاني، جليِّ المعالم، ولكنَّه المكر السَّيِّئُ، والقَصد المبيَّت، والحقد الدَّفين على دين الله الحقِّ وسنَّة سيِّد المرسلين ﷺ.
ولا يُرفعُ اللَّومُ على مَن استَعمل مصطلَحًا إلَّا بعد أن يُدركَ معانيَه ويفهَمَ مراميَه، ليكونَ صادقًا في قولِه، عادلًا في حكمِه، أمينًا في نقلِه، وحتَّى لا يكونَ ضالًّا في نفسِه، ولا مُضِلًّا لأمَّته؛ والله مِن وراءِ القصد وهُو الهادي إلى سَواء السَّبيل.
مكتب رعاية العلماء والأئمة والخطباء / قسم الدعوة والارشاد
ذي الحجة 1438 هجرية أيلول 2017

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

[daily_salat_times]