عاجل_ اخبار الدار
الرئيسية / الفتاوى / فتوى رقم ( 1554 ) حكم سب آل البيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

فتوى رقم ( 1554 ) حكم سب آل البيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

السائل محمد كامل أبو عبد الله يسأل _ السلام عليكم سماحته المفتي بارك الله فيك سؤآلي .. عن حكم سب آل البيت النبي صلى الله عليه وسلم .

الواجب في حق آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم : محبتهم ، وموالاتهم ، وإكرامهم ، واحترامهم ، ومراعاة حقوقهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” وكذلك أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجب محبتهم ، وموالاتهم ورعاية حقهم …. ” .
انتهى من ” مجموع الفتاوى ” لابن تيمية (28/491) .
وقال رحمه الله أيضاً – في معرض كلامه عن عقيدة أهل السنة والجماعة – : ” ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتولونهم ، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غدير خم : ( أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ) ، وقال أيضا للعباس عمه – وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم – فقال : ( والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي ) ، وقال : ( إن الله اصطفى بني إسماعيل ، واصطفى من بني إسماعيل كنانة ، واصطفى من كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ) ” انتهى من ” مجموع الفتاوى ” لابن تيمية (3/ 154) .
وأما سب المسلم في أصله أمر محرم ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) رواه البخاري (46) ، ومسلم (97) .
ويعظم النهي والإثم في السب ، إذا كان من وقع عليه السب ، له حق خاص ، فآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لهم حق خاص على الأمة ، كما سبق ؛ وذلك لقرابتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فسبهم أعظم من غيرهم في الجملة ، وكذلك الصحابي من آل البيت له حق خاص ، من جهة أنه من آل البيت ، ومن جهة أنه صحابي ، وقد جاء في حق الصحابة خاصة ، ما رواه البخاري (3397) – واللفظ له – ، ومسلم (4611) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ) .
وعليه ، فمع أن السب والشتم واللعن بغير حق : كله محرم مذموم ؛ فإن الإثم يختلف باختلاف رتبة ودرجة المسبوب ، فسب وشتم من جمع بين الصحبة والانتساب إلى آل البيت ، ليس كسب من انتسب إلى آل البيت فقط ، فالأول سبه أعظم وأشد ؛ لكونه جمع بين حقين : حق الصحبة ، وحق الانتساب إلى آل البيت .
قال القاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم ج2،
قال القاضي الشهيد أبو علي – رحمه الله – ، حدثنا أبو الحسين الصيرفي وأبو الفضل العدل ، حدثنا أبو يعلى ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا ابن محبوب ، حدثنا الترمذي ، حدثنا محمد بن [ ص: 599 ] يحيى ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا عبيدة بن أبي رابطة ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه .
وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : لا تسبوا أصحابي ، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ، ولا عدلا .
وقال – صلى الله عليه وسلم – : لا تسبوا أصحابي ، فإنه يجيء قوم في آخر الزمان يسبون أصحابي فلا تصلوا عليهم ، ولا تصلوا معهم ، ولا تناكحوهم ، ولا تجالسوهم ، وإن مرضوا فلا تعودوهم .
وعنه – صلى الله عليه وسلم – : من سب أصحابي فاضربوه .
وقد أعلم النبي – صلى الله عليه وسلم – أن سبهم وأذاهم يؤذيه ، وأذى النبي – صلى الله عليه وسلم – حرام ، فقال : لا تؤذوني في أصحابي ، ومن آذاهم فقد آذاني .
وقال : لا تؤذوني في عائشة .
وقال في فاطمة : بضعة مني يؤذيني ما آذاها .
وقد اختلف العلماء في هذا ، فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع ، قال مالك – رحمه الله – : من شتم النبي – صلى الله عليه وسلم – قتل ، ومن شتم أصحابه أدب .
وقال أيضا : من شتم أحدا من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – : أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص ، فإن قال : كانوا على ضلال وكفر قتل ، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا .
وقال ابن حبيب : من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا ، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ، ويكرر ضربه ، ويطال سجنه حتى [ ص: 600 ] يموت ، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي – صلى الله عليه وسلم – .
وقال سحنون : من كفر أحدا من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – : عليا أو عثمان أو غيرهما يوجع ضربا .
وحكى أبو محمد بن أبي زيد ، عن سحنون : من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي : إنهم كانوا على ضلالة وكفر قتل ، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد .
وروي عن مالك : من سب أبا بكر جلد ، ومن سب عائشة قتل . قيل له : لم ؟ قال : من رماها فقد خالف القرآن .
وقال ابن شعبان عنه : لأن الله يقول : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين [ النور : 17 ] ، فمن عاد لمثله فقد كفر .
وحكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر بن الطيب قال : إن الله – تعالى – إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه ، كقوله : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه [ الأنبياء : 26 ] . . . في آي كثيرة .
وذكر – تعالى – ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال : ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك [ النور : 16 ] سبح نفسه في تبرئتها من السوء ، كما سبح نفسه في تبرئته من السوء .
وهذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة .
ومعنى هذا والله أعلم ، أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه ، وكان سبها سبا لنبيه ، وقرن سب نبيه ، وأذاه بأذاه – تعالى – ، وكان حكم مؤذيه – تعالى – القتل كان مؤذي نبيه كذلك كما قدمناه .
وشتم رجل عائشة بالكوفة ، فقدم إلى موسى بن عيسى العباسي ، فقال : من حضر هذا ؟ فقال ابن أبي ليلى : أنا ، فجلده ثمانين ، وحلق رأسه ، وأسلمه إلى الحجامين .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه نذر قطع لسان عبيد الله بن عمر ، إذ شتم المقداد بن الأسود ، فكلم في ذلك ، فقال : دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحد بعد أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – .
وروى أبو ذر الهروي أن عمر بن الخطاب أتي بأعرابي يهجو الأنصار ، فقال : لولا أن له صحبة لكفيتكموه .
قال مالك : من انتقص أحدا من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – فليس له في هذا الفيء حق ، قد قسم الله الفيء في ثلاثة أصناف ، فقال : للفقراء المهاجرين [ الحشر : 8 ] الآية .
ثم قال : والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم [ الحشر : 9 ] الآية . .
وهؤلاء هم الأنصار .
ثم قال : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان [ الحشر : 10 ] [ ص: 601 ] الآية . فمن تنقصهم فلا حق له في فيء المسلمين .
وفي كتاب ابن شعبان : من قال في واحد منهم إنه ابن زانية ، وأمه مسلمة حد عند بعض أصحابنا حدين : حدا له وحدا لأمه ، ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة لفضل هذا على غيره ، ولقوله – صلى الله عليه وسلم – : من سب أصحابي فاجلدوه قال : ومن قذف أم أحدهم ، وهي كافرة حد حد الفرية ، لأنه سب له ، فإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حيا قام بما يجب له ، وإلا فمن قام به من المسلمين كان على الإمام قبول قيامه ، قال : وليس هذا كحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء بنبيهم – صلى الله عليه وسلم – ، ولو سمعه الإمام ، وأشهد عليه ، كان ولي القيام به ، قال : ومن سب غير عائشة من أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – ففيها قولان :
أحدهما : يقتل ، لأنه سب النبي – صلى الله عليه وسلم – بسب حليلته .
والآخر : أنها كسائر الصحابة ، يجلد حد المفتري ، قال : وبالأول أقول .
وروى أبو مصعب ، عن مالك فيمن انتسب إلى بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – يضرب ضربا وجيعا ، ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته ، لأنه استخفاف بحق الرسول – صلى الله عليه وسلم – .
وأفتى أبو المطرف الشعبي فقيه مالقة في رجل أنكر تحليف امرأة بالليل ، وقال : لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفت إلا بالنهار ، وصوب قوله بعض المتسمين بالفقه ، فقال أبو المطرف : ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل .
والفقيه الذي صوب قوله أحق باسم الفسق من اسم الفقه ، فيتقدم له في ذلك ، ويزجر ولا تقبل فتواه ولا شهادته ، وهي جرحة ثابتة فيه ، ويبغض في الله .
وقال أبو عمران في رجل قال : لو شهد علي أبو بكر الصديق : أنه إن كان أراد أن شهادته في مثل هذا لا يجوز فيه الشاهد الواحد ، فلا شيء عليه ، وإن كان أراد غير هذا فيضرب ضربا يبلغ به حد الموت ، وذكروها رواية .
قال القاضي أبو الفضل : هنا انتهى القول بنا فيما حررناه ، وانتجز الغرض الذي انتحيناه ، واستوفى الشرط الذي شرطناه ، مما أرجو أن يكون في كل قسم منه للمريد مقنع ، وفي كل باب منهج إلى بغيته ومنزع .
وقد سفرت فيه عن نكت تستغرب وتستبدع ، وكرعت في مشارب من التحقيق [ ص: 602 ] لم يورد لها قبل في أكثر التصانيف مشرع ، وأودعته غير ما فصل وددت لو وجدت من بسط قبلي الكلام فيه ، أو مقتدى يفيدنيه عن كتابه أو فيه ، لأكتفي بما أرويه عما أرويه .

المكتب العلمي للدراسات والبحوث / قسم الفتوى

السبت 19 رجب 1441 هجرية 14 آذار 2020

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فتوى رقم ( 1562 ) صحة حديث من صلى عليَّ الف صلاة لم يمت حتى يبشر بالجنة ..

السائل جعفر محمد يسأل _ السلام عليكم ورحمة الله عندي كم سؤآل تقريبا متشابهة حكم ...

فتوى رقم ( 1561 ) حكم من مات كافراً ولم يصله الاسلام ..

السائل أبو عبد الله الزوبعي يسأل _ سماحة المفتي الرجاء بيان حكم من مات كافرا ...

فتوى رقم ( 1560 ) صحة حديث ..يـأتي زمـان عـلى أمـتي لايبقـى مـن الإسـلام إلا أسـمه ولا من الـقرآن إلا رسـمه وهـمهم بطـونهم .

السائل أبو عباس الحمداني يسأل شيخنا اريد اعرف معنى وصحة الحديث قـال:رسـول الله صلى الله ...

فتوى رقم ( 1559 ) حديث .. ليس من أحد – يعني مسلم – يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً .

أجاب على السؤآل سماحة مفتي جمهورية العراق الشيخ الدكتور مهدي بن أحمد الصميدعي ( سدده ...

فتوى رقم ( 1558 ) معنى لايردُ القدرُ الا الدعاء .

السائل أبو محمد الجبوري يسأل _ سلام الله عليك سماحة مفتي العراق المحترم لو تكرمت ...

فتوى رقم (1557 ) الصلاة في الحذاء أو النعال ..

السائل حاتم العبيدي يسأل _ شيخنا الفاضل هل يجوز لشخص الصلاة بالنعال أو الحذاء في ...

فتوى رقم ( 1556 ) برد الأسنان وتفليجها

السائل أبو عوف يسأل _ شيوخنا الأجلاء يجوز برد الأسكان أو تفليجها للجمالية وشكرا . ...

فتوى رقم ( 1555 ) موقف ابن تيمية من آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .

السائل أبو سجاد الموسوي يسأل _ شيخنا الرجاء اريد تفصيل سمعت كلام من السيد الصرخي ...

فتوى رقم ( 1553 ) تحرج الصحابة من وطيء نساء أوطاس .

السائل أبو أحمد الصميدعي يسأل _ لماذا تحرج الصحابة وطيء سبايا نساء أوطاس .. هذا ...