أخبار عاجلة
الرئيسية / الفتاوى / فتوى رقم ( 1213 )
فتوى رقم ( 1213 )

فتوى رقم ( 1213 )

فتوى رقم ( 1213 )
جناب الأخ الفاضل والاستاذ المحترم :
وليد الهمامي نائب رئيس لجنة الإفتاء والدراسات الفقهية بالجمعية الوطنية في جمهورية تونس الشقيقة …
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته _ بلغنا مناشدتكم السارة التي تعبر عن حسن سلوك وكرم خلق …
المجلس العلمي للدراسات والبحوث / قسم الفتوى_ يوم السبت 14 شعبان 1440 هجرية الموافق 20 نيسان 2019 _ قد نظر في الاستفتاء الوارد حول جواز التسوية في الميراث بين الذكر والأنثى مطلقاً، على اعتبار قول البعض أن آية {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] ليست آية محكمة ، وأن النص القرآني قابل للاجتهاد، والقرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان. وهل للسلطان أن يقوم بإقرار قانون بالمساواة على هذا الوجه؟
وبعد البحث والتدقيق في أقوال علماء الاسلام جميعا ، والتباحث مع مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور مهدي بن أحمد الصميدعي قرر المكتب الآتي :
أجاب على السؤآل سماحة مفتي جمهورية العراق الشيخ الدكتور مهدي بن احمد الصميدعي ( سدده الله تعالى ) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد _الميراث فريضة قرآنية محكمة ، تولى الله عز وجل قسمتها بالحق والعدل ليقوم الناس بالقسط، ولم يتركها سبحانه وتعالى ، للرأي والنظر ولم يترك فيها حقاً لغيره سبحانه _ قال تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11]، والفريضة تعني الوجوب والإلزام الذي لا يبقى مجالا لاجتهاد أو رأي ؛ لأن الشريعة هي التي حققت العدل الذي لا يتجاوزه إلا الحيف والهوى، فجعلت القسمة الشرعية في ميراث الأولاد والإخوة حال اجتماع الذكور والإناث يتم على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك بنص الآية الكريمة {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، وهو نص واضح قطعي الثبوت والدلالة، لا مجال فيه للتأويل أو التحريف.
وقد بيّن العلماء أن العبء المالي الذي يتحمله الوارث أحد المعايير المهمة التي اعتبرها المشرع الحكيم في باب الفرائض، فنظام الأسرة وأحكام الأحوال الشخصية في منظومتها الشرعية العادلة تفرض على الذكر -زوجاً وابناً وأخاً– أعباء مالية بالنفقة على من يعولون ممن تجب عليهم نفقتهم، وخاصة النساء، تكريماً لشأنهن، وصيانة لهن عن الفقر والعوز. ومن تلك الأعباء أيضاً وجوب المهر على الزوج ولو كانت الزوجة غنية، ولم تكلف الزوجة بالإنفاق على زوجها، فذمتها المالية مستقلة عن الزوج، ولمواجهة هذه الأعباء المالية كان نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى في بعض الصور كما سبق، وفي الوقت نفسه نجد في الكثير من الصور الأخرى ميراث المرأة يفوق ميراث الذكر، نظراً لتداخل معيارين آخرين مهمين مع معيار العبء المالي، وهما درجة القرابة، ومرتبة الجيل، في قسمة دقيقة لا يجوز لأحد أن يتدخل في العبث بها وهو لا يعي دقائقها وحكمتها.
ومن هنا فإنا نؤكدعلى قطعية الفريضة الشرعية السابقة، وندعو جميع المسلمين إلى الاشتغال بجهود الإصلاح الحقيقية، وإنجاز كل ما ينهض بديار الإسلام في المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية ، والإعتراف العملي بحق الله تعالى الذي يتنزه سبحانه عن صفات السلب .
قال الحافظ ابن كثير في “التفسير” (2/ 225، ط. دار طيبة): [وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشم المشقة، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى] اهـ.
قال الإمام ابن حزم في “الإحكام في أصول الأحكام” (3/ 152، ط. دار الآفاق): [ومما خص بالإجماع قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.. الآية] اهـ.
وقال الإمام ابن بطال في “شرح صحيح البخاري” (8/ 359، ط. مكتبة ابن رشد): [وأجمع العلماء.. وللإخوة الرجال والنساء للذكر مثل حظ الأنثيين] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في كتاب “الجامع لأحكام القرآن” (5/ 60، ط. دار الكتب): [وأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان معهم من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في “أسنى المطالب” (3/ 8، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(فإن اجتمعوا) أي البنون والبنات (فللذكر مثل حظ الأنثيين) للإجماع، ولآية ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، ولآية ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 176]، وإنما فضل الذكر على الأنثى؛ لأنه قوام على النساء بالنفقة وغيرها] اهـ ..
ومن ثمرات حماية الاسلام للحقوق :
1 . أن الذي تولى أمر تقسيم التركات في الإسلام هو الله تعالى وليس البشر، فكانت بذلك من النظام والدقة والعدالة فيالتوزيع ما يستحيل على البشر أن يهتدوا إليه لولا أن هداهم الله ، قال تعالى : ((آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا )) [النساء/11] .
2 . الإسلام نظر إلى الحاجة فأعطى الأكثر احتياجا نصيباً أكبر من الأقل احتياجا ولذلك كان حظ الأبناء أكبر من حظالآباء ، لأن الأبناء مقبلون على الحياة والآباء مدبرون عنها؛ولذلك كان للذكر مثل حظ الأنثيين في معظم الأحيان فلا شك أن الابن الذي سيصير زوجاً باذلا لمهر زوجته ، منفقا عليها وعلى أولاده منها أكثر احتياجا من أخته التي ستصير زوجة تقبض مهرها ، ويرعاها وينفق عليها زوجها . 
3 . إن الإسلام قد حصر الإرث في المال ولم يتعداه إلى الزوجة كما كان في الجاهلية ، بل كرم رابطة الزوجية ، وجعل مابين الزوجين من مودة ورحمة حال الحياة سبباً للتوارث عند الوفاة ، فلم يهملها كما فعلت بعض الشرائع . 
4 . الإسلام لم يهمل حق القرابة كسبب من أسباب التوارث كما فعل القانون الروماني واليوناني بل إعتبر أن قرابة الرجل من الروابط الوثيقة بينه وبين أسرته، ولها حق طبيعي من الشعور الخالص والصلة الموفورة، والمرء يقوى بقرابته، ويأنس بها في حياته، ويبذل في سبيلها ما يمكنه من عطاء وخدمة ونصرة، ويجعلها في الدرجة الأولى من الرعاية .
ويجب على أهل العلم الوقوف بقوة أمام تلك الدعوات التي تطالب بتغيير قواعد الميراث؛ لمخالفتها الثوابت الشرعية والأحكام القطعية الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، التي أجمعت عليها الأمة ، عبر الأمصار والأعصار، من غير اختلاف ولا إنكار، ولا يجوز لأي أحد – كائنًا مَن كان- أن يغير هذه الأحكام القطعية في الميراث، وإلا كان كلامه باطلًا مردودًا لا تعويل عليه ولا التفات إليه .
الشيخ الدكتور
مهدي بن أحمد بن صالح الصميدعي
مفتي جمهورية العراق
15 شعبان 1440 هجرية 21 نيسان 2019


عن admin