أخبار عاجلة
الرئيسية / الفتاوى / فتوى رقم ( 1020 )
فتوى رقم ( 1020 )

فتوى رقم ( 1020 )

فتوى رقم ( 1020 )
السائل الدكتور محمد الدليمي يسأل _ سماحة المفتي الله يجزيك بالخير لو تكرمت توضيح موضع العقوبة والتعزير في الشريعة الاسلامية وأكون ممنون ؟
أجاب على السؤآل سماحة مفتي جمهورية العراق الشيخ الدكتور مهدي بن احمد الصميدعي ( سدده الله تعالى ) الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وإمام النبيين محمد بن عبد الله وآله وصحبه أجمعين والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين السائل الكريم أحييك واشكرك لك الله العلي القدير وبعد : العقوبات في الشريعة الإسلامية ثلاثة أنواع :
1- القصاص : في جرائم القتل والتعدي على الأطراف والجنايات .
2- الحدود : وهي العقوبات المقدرة شرعا : كحد الزنى ، وحد السرقة ، ونحوهما .
3- التعزير : وهو التأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود . الأحكام السلطانية ” للماوردي (ص/236) .
فإذا ارتكب أحدهم مخالفة شرعية لم يرد الشرع بتقدير عقوبة خاصة بها ، ورأى القاضي أنها من الخطورة بقدر بحيث تستحق العقوبة عليها ، فإن له أن يعاقب هذا المتعدي بما يراه مناسبا لجرمه وذنبه ، وهذا ما يسميه الفقهاء بـ ” التعزير “، وله أحكام وتفصيلات كثيرة مذكورة في مطولات الفقه .
ولما كان مقصد التعزير هو التأديب ، كان الأصل ألا يبلغ التعزير إلى حد القتل بحال من الأحوال ، لكن لما رأى الفقهاء أن بعض الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة تدل على إيقاع عقوبة القتل على هذا الوجه ، كانت لهم بعض الاستثناءات التي تجيز القتل كعقوبة تعزيرية وليست حدية ، وذلك لخطر بعض الجرائم العظيمة ، ولتحقيق المصلحة العامة للدولة والمجتمع الإسلامي .
جاء في ” الموسوعة الفقهية ” (12/263) : الأصل : أنه لا يبلغ بالتعزير القتل ، وذلك لقول الله تعالى : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) الأنعام/151 ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) متفق عليه.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز القتل تعزيرا في جرائم معينة بشروط مخصوصة ، من ذلك:
1- قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس على المسلمين :
وذهب إلى جواز تعزيره بالقتل مالك ، وبعض أصحاب أحمد ، ومنعه أبو حنيفة ، والشافعي ، وأبو يعلى من الحنابلة ، وتوقف فيه أحمد .
ومن ذلك :
2- قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة كالجهمية :
ذهب إلى ذلك كثير من أصحاب مالك ، وطائفة من أصحاب أحمد .
3- وأجاز أبو حنيفة التعزير بالقتل فيما تكرر من الجرائم ، إذا كان جنسه يوجب القتل ، كما يقتل من تكرر منه اللواط أو القتل بالمثقل .
4- وقال ابن تيمية : وقد يستدل على أن المفسد إذا لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل ، بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه ) ” انتهى.
قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله : يظهر من مباحث القتل تعزيرا على سبيل الإجمال والتفصيل : أن القتل تعزيرا مشروع عند عامة الفقهاء ، على التوسع عند البعض ، والتضييق عند آخرين في قضايا معينة .
وأن القول الصحيح الذي يتمشى مع مقاصد الشرع وحماية مصالح الأمة وحفظ الضروريات من أمر دينها ودنياها : هو القول بجواز القتل تعزيرا حسب المصلحة ، وعلى قدر الجريمة ، إذا لم يندفع الفساد إلا به ، على ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى .” انتهى. الحدود والتعزيرات عند ابن القيم ” (ص/493)
وقال الشيخ عبد القادر عودة رحمه الله : الأصل في الشريعة أن التعزير للتأديب ، وأنه يجوز من التعزير ما أمنت عاقبته غالباً ، فينبغي أن لا تكون عقوبة التعزير مهلكة ، ومن ثم فلا يجوز في التعزير قتل ولا قطع .
لكن الكثيرين من الفقهاء أجازوا ـ استثناءً من هذه القاعدة العامة ـ أن يعاقب بالقتل تعزيراً إذا اقتضت المصلحة العامة تقرير عقوبة القتل ، أو كان فساد المجرم لا يزول إلا بقتله ، كقتل الجاسوس والداعية إلى البدعة ومعتاد الجرائم الخطيرة .
وإذا كان القتل تعزيراً قد جاء استثناء من القاعدة ، فإنه لا يتوسع فيه ، ولا يترك أمره للقاضي ككل العقوبات التعزيرية ، بل يجب أن يعين ولي الأمر الجرائم التي يجوز فيها الحكم بالقتل . وقد اجتهد الفقهاء في تعيين هذه الجرائم وتحديدها ، ولم يبيحوا القتل إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك ، بأن كان المجرم قد تكررت جرائمه ويُئِس من إصلاحه ، أو كان استئصال المجرم ضرورياً لدفع فساده وحماية الجماعة منه .
ويبيح الحنفيون عامة القتل تعزيراً ويسمونه القتل سياسة ، ويرى بعض الحنابلة هذا الرأي وعلى الأخص ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، ويأخذ بهذا الرأي قليل من المالكية ، ولكن أكثر الجرائم التي يبيح فيها الحنفية القتل تعزيراً ، أو سياسةً ، يعاقب عليها حداً أو قصاصاً في المذاهب الأخرى ، فما يظن توسعاً في مذهب الحنفية من هذه الوجهة ، هو توسع ظاهري في أكثر الحالات . فمثلاً يبيح الحنفية القتل تعزيراً في جريمة القتل بالمثقل ، وفي جريمة اللواط ، ولا يرون القتل قصاصاً في الحالة الأولى ، أو حداً في الحالة الثانية ، بينما يرى مالك والشافعي وأحمد قتل القاتل بالمثقل قصاصاً ، وقتل اللائط والملوط به حداً ، ويرى بعض الحنابلة والمالكية قتل الداعية إلى البدعة تعزيراً ، بينما يراه غيرهم مرتداً بدعوته للبدعة فيقتل حداً .
والقتل تعزيراً بالشروط السابقة لا يمكن أن يكون إلا في جرائم تعزيرية محدودة العدد ، وقد رأينا فيما سبق أن الشريعة جعلت القتل عقوبة في أربع جرائم من جرائم الحدود ، وهي : الزنا ، والحرابة ، والردة ، والبغي .
وجعلته عقوبة في جريمة واحدة من القصاص ، وهي القتل العمد .
فإذا قدرنا أن الجرائم التعزيرية التي يمكن العقاب عليها بالقتل تصل إلى خمس جرائم أيضاً ، كانت كل الجرائم المعاقب عليها بالقتل في الشريعة لا تزيد على عشر جرائم عند من يجيزون القتل تعزيراً ، وكان عددها لا يزيد على خمس جرائم عند من لا يبيحون القتل تعزيراً ، وتلك ميزة انفردت بها الشريعة الإسلامية من يوم نزولها ، فهي لا تسرف في عقوبة القتل ولا تفرضها دون مقتض .
ونستطيع أن نحيط بمدى تفوق الشريعة في هذه الوجهة إذا علمنا أن القوانين الوضعية كانت إلى أواخر القرن الثامن عشر تسرف في عقوبة القتل إلى حد بعيد ، بحيث كان القانون الإنجليزي ـ مثلاً ـ يعاقب على مائتي جريمة بالإعدام ، والقانون الفرنسي يعاقب على مائة وخمس عشرة جريمة بالإعدام . ” انتهى. التشريع الجنائي في الإسلام ” (1/687-689) .
المكتب العلمي للدراسات والبحوث / قسم الفتوى
الأحد 5 محرم 1440 هجرية 14 تشرين أول 2018

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*