أخبار عاجلة
الرئيسية / الفتاوى / فتوى رقم ( 994 ) 
فتوى رقم ( 994 ) 

فتوى رقم ( 994 ) 

فتوى رقم ( 994 )
السائلة الدكتورة هيفاء عبد القادر الحيالي من محافظة صلاح الدين تسأل _ السلام عليكم ورحمة الله الأخوة العلماء في دار الافتاء الرجاء توضيح بشكل يمكن استيعابه ، ببيان قول الله تعالى ( ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ) من سورة الطلاة اية 6 وشكرا لكم .
أجاب على السؤآل سماحة مفتي جمهورية العراق الشيخ الدكتور مهدي بن احمد الصميدعي ( سدده الله تعالى ) الحمد لله رب العالمين وبه نستعين والصلاة والسلام على امام المتقين وقائد الغر المحجلين نبينا محمد الأمين واله وصحبه أجمعين وبعد : السائلة الكريمة حفظك الله تعالى _ قال تعالى : (( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) (الطلاق : 6) .
الضمير في قوله ((أَسْكِنُوهُنَّ )) يعود إلى المطلقات الرجعيات ، واختُلف في المبتوتات (غير الرجعيات) هل يدخلن في ذلك أم لا ، وليس في هذه الآية ما يقطع بدخولهن من عدمه ، لكن قد ورد في سورة البقرة ما يشبه هذه الآية ، وهو قوله تعالى : ((وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) (البقرة : 231) .
وهذه في المطلقة الرجعية بلا خلاف ، إذ المبتوتة لا يجوز إمساكها أصلاً ، ويشهد لهذا القول ما أخرجه مسلم في صحيحه ، عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس ، أنه طلقها زوجها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أنفق عليها نَفَقَةَ دونٍ ، فلما رأت ذلك قالت : والله لأعلمنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني ، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئاً . قالت : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ((لا نفقة لك ولا سكنى)) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق ، باب : المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها : 4/195 ، برقم : وقد ذُكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أنكر حديث فاطمة هذا ، وقال : ما كنا لنجيز في ديننا شهادة امرأة ). … وهذا الأثر من رواية الأعمش عن إبراهيم .. قال عبد الله بن الإمام أحمد : سمعت أبي يقول : قال ابن مهدي : هذا من ضعيف حديث الأعمش (العلل ومعرفة الرجال : 1/419 ، برقم 2753) ، هذا من ناحية السند ، أما من ناحية النظر فيستبعد أن يصدر مثل هذا القول من الفاروق عمر ، وهو الذي عرف بنزاهته ، وتجرده ، وقبوله الحق من سائر الخلق ، واحترامه للمرأة ، لا سيما في المسائل المتعلقة بالنساء . وقصته مع المرأة التي اعترضت عليه في الصداق أكبر شاهد على ذلك . ثم إن هذه ليست شهادة من فاطمة رضي الله عنها ، وإنما إخبار عن حكم شرعي وقع لها ، فكيف يقال إنها أوهمت أو كذبت أو شبه عليها .. مع أنها لو كتمته لكان في مصلحتها ومصلحة جنسها من النساء .
بل ورد بأصرح من ذلك كما عند النسائي والدار قطني بإسناد صحيح وهو نص في الموضوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة))أخرجه النسائي في كتاب الطلاق ، باب الرخصة في ذلك: 6/144. والدار قطني: ص434 .
ولا قول لأحد بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإن قيل فإن قوله تعالى بعدها : (( وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) .
يدل على أن المراد البائن ، لأن الرجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملاً أو حائلاً .. فالجواب أنه إنما نص على الحامل وإن كانت رجعية ، لأن الحمل تطول مدته في الغالب ، فاحتيج إلى النص على وجوب الإنفاق إلى تمام الوضع ، لئلا يتوهم أنه إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة ) … تفسير القرآن العظيم لابن كثير : 4/383 ..
و(مِنْ) في قوله : ((مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم)) للتبعيض ، أي بعض مكان سكناكم الكشاف للزمخشري : 4/110 .].
وقيل لابتداء الغاية ، والمعنى : تسببوا في إسكانهن من الوجه الذي تسكنون التبيان في إعراب القرآن للعكبري : 2/263 .
وسبب هذا الأمر والله تعالى أعلم أن الله عز وجل لما نهى الأزواج في أول السورة عن إخراج المطلقات الرجعيات من بيوتهن حتى تنقضي عدتهن، وكان بقاؤهن معهم مع التنافر والاختلاف مظنة للإساءة إليهن ، والتضييق عليهن في السكن وغيره؛ جاء الأمر بإسكانهن السكن اللائق بهن من حيث يسكن الزوج ، وذلك أدعى لحصول مقصود الشارع من التصافي والتراجع ، وهو ما أشار إليه في أول السورة بقوله : (( لعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً)) (الطلاق:1).
ولما ضمن حق الزوجة من السكن الملائم ؛ راعى حال الزوج بقوله  مِّن وُجْدِكُمْ ) أي من سعتكم وطاقتكم ) . تفسير القرآن العظيم : 4/383 ، وفتح القدير للشوكاني : 5/292 …. وذلك لئلا تطالبه الزوجة أو وليها فوق ما يطيق ، وهذا من تمام العدل ، وقد جاء الأمر بذلك مبيَّناً في الآية الموالية ، فقال سبحانه : (( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً)) (الطلاق:7).
وهذا وإن كان في خصوص النفقة ؛ إلا أنه قد وردت آيات أخرى تفيد العموم وهي قوله تعالى : (( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)) (البقرة : 286) …. وقوله تعالى : (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )) (التغابن : 16) .
ولما كان إسكانهن في السكن اللائق بهن قد يصاحبه إضرار بهن من قبل الأزواج ؛ نهى عن المضارة بهن ، فقال : ((وَلَا تُضَارُّوهُنَّ))
ولما كانت المضارة لمقصد حسن ، على وجه التأديب ونحوه ، جائزة ؛ قيد ذلك بقوله : (( ِلتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ)) أي لتضطروهن إلى الخروج نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي : 8/33 .
وقد ذكر المفسرون صوراً للمضارة المنهي عنها ، منها : أن ينزلها في مسكن ضيق مع قدرته على إسكانها في منزل أوسع منه البحر المحيط : 8/281 ….. أن ينزل معها من لا يوافقها ….. أن يراجعها إذا بقي من عدتها قليل، ثم يطلقها لتطول عدتها، ويطول حبسها عنده .. الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن قيم الجوزية : ص317… أن يضيق عليها في النفقة ، فلا يعطيها ما يكفيها.
وليست المضارة محصورة في هذه الصور، بل كل ما كان المقصود منه التضييق على المطلقة لإلجائها إلى الخروج أو الافتداء ، فهو من المضارة المنهي عنه .
وإذا كان الله عز وجل قد أوجب على الرجل إسكان زوجته المطلقة حتى تنقضي عدتها دون مضارة ؛ فإن غير المطلقة التي في عصمته أولى بذلك ، فيجب عليه إسكانها مما يسكن ، بحسب القدرة والطاقة .
وكما أن الزوج مطلوب منه توفير السكن الحسي لامرأته ؛ فإن الزوجة مطلوب منها توفير السكن المعنوي لزوجها، وهو ما أشار الله إليه في قوله تعالى : (( جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)) (الأعراف: 189). وقوله تعالى: (( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)) (الروم : 21) .
والمراد بالسكن هنا : سكن القلب وراحته وطمأنينته] .
ولذا قال بعدها : (( جَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)) (الروم:21)
ولما خلق الله آدم عليه السلام ، قال له : (( اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)) (البقرة : 35) .
ولما حصل من آدم ما حصل من أكله وزوجه من الشجرة التي نهاهما الله عنها في الجنة ؛ أمرهما بأن يهبطا منها جميعاً : (( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً)) (البقرة : 38) .
وفي الآخرة يقول الله عز وجل لعباده المؤمنين : (( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ )) (الزخرف : 70) .
فالعلاقة بين الزوجين علاقة تواصل وتكامل، ولا غناء لأحدهما عن الآخر، وبهذا تعمر الحياة، ويحصل المقصود من استخلاف هذا الإنسان على وجه الأرض .
المكتب العلمي للدراسات والبحوث / قسم الفتوى
الإثنين 14 محمرم 1440 هجرية 24 أيلول 2018

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*