أخبار عاجلة
الرئيسية / الفتاوى / فتوى رقم ( 633 )
فتوى رقم ( 633 )

فتوى رقم ( 633 )

فتوى رقم ( 633 )
السائل أبو أيسر الزبيدي من محافظة واسط يسأل _ السلام عليكم شيخنه نريد لو تفضلت حكم الشرع الاسلامي في مال الغناء والعمل مع أهل الحفلات والتصدق على الفقراء والمساكين وشكرا لكم .
أجاب على السؤآل سماحة مفتي جمهورية العراق الشيخ الدكتور مهدي بن احمد الصميدعي ( سدده الله تعالى ) الحمد لله رب العالمين وبه نستعين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله صحبه أجمعين وبعد :
المعلوم في دين المسلمين أن الغناء محرم ، والأشد الغناء المنتشر اليوم في أوساط ما يسمى بالمجال ” الفني ” منكر عظيم ، وفحش وخنا ، وشر مستطير ، لا يخفى فساده على كل ذي فطرة صحيحة ؛ إذ لم تَعُد حرمتها مقتصرة على اتخاذ ” المعازف ” فقط ، بل تعدت ذلك إلى كشف العورات ، والتجرد من الحياء ، وإثارة الشهوات ، والحط من قيمة الإنسان المكرم إلى أن يكون سلعة شهوانية حياتها وموتها العشق والغرام ، فكم أفسدت من قلوب ، وكم ضيعت من أموال ، وكم أفنت من أعمار ، وكم شغلت من مؤسسات ، وكم تاه في بحر أوهامها شباب كانوا جديرين بأن يكونوا معاول بناء وأركان حضارة ، وليسوا مجرد قاعدين على الطريق ، غاية أمانيهم أن يقابلوا المطربين والمطربات ، يلتمسون منهم التفاتة أو قبلة أو ابتسامة .
ولا ندري كيف سيكون كسب هؤلاء المطربين حلالا بعد ذلك ، وإذا لم يكن جَنْيُهُم حراما فما هو المال الحرام إذن ، ومتى يكون الكسب غير مشروع ؟!!
فالمال الحرام هو كل ما اكتسبه المرء بطريق غير مشروع ، سواء كانت حرمة طريق الكسب بسبب التعدي على ملك الآخرين بغير رضاهم ، أم بسبب التعدي على أحكام الشريعة والوقوع في المخالفة التي لم يأذن بها الله ، فمَن جعل ” العمل المحرم ” سبيلا للتكسب كان ماله محرما باتفاق العلماء .
جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِىِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ) رواه البخاري (2282) ومسلم (1567)
فانظر كيف حرم في هذا الحديث المال المكتسب من جهتين : من جهة بيع المحرمات ، ومن جهة التكسب بطريق غير مشروع ، كالبغاء والكهانة ، ويقاس عليها حرمة المال المكتسب بسبب الغناء واتخاذ المعازف . انظر : ” أحكام المال الحرام “(ص/67)
وقد أجمع العلماء من المذاهب الفقهية كافة على هذا الحكم الشرعي :
قال الإمام النووي رحمه الله : أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء ” انتهى من ” شرح مسلم ” (10/231) وقال ابن عابدين رحمه الله : ” من السحت ما يأخذه أصحاب المعازف ، ومنها – كما في ” المجتبى ” ما تأخذه المغنية على الغناء ” انتهى من ” رد المحتار على الدر المختار ” (6/424).
وأما تصدق هؤلاء المطربين والمغنين على الفقراء والمساكين ، فلا يعني أن ينقلب الخبيث من مالهم أو حالهم : حلالا طيبا ، بل مالهم خبيث ، وإن تصدقوا منه ، وحالهم في الغناء وما ذكرنا خبيث ، حتى وإن صلوا وصاموا وتصدقوا وحجوا ما شاؤوا ، فإن هذا لا يحل لهم عملهم المحرم ، ولا يجعله طيبا ؛ بل الأمر كما قال الله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) الزلزلة/7-8 .
بل أخطر من ذلك عليهم : أن الله جل جلاله غني عن الكسب الخبيث أن ينفق في سبيله ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ ) .رواه البخاري (7430) ومسلم (1014) وفي لفظ للبخاري (1410) : ( وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ ) .
نقل أبو الفرج الأصفهاني في ” الأغاني ” عن الشاعر إسماعيل بن عمّار الأسدي ( ت نحو 157 هـ )، قاله يهجو رجلاً كان يتولى شيئاً من الوقوف للقاضي بالكوفة :
بَنَى مسجداً بُنْيَانُه من خِيانةٍ …… لَعَمْرِي لَقِدْماً كنتَ غيرَ مُوَفَّقِ
كصاحبةِ الرُّمّان لمَّا تَصَدّقتْ …… جَرَتْ مَثَلاً للخائن المتصدِّق
يقولُ لها أهلُ الصَّلاح نصيحةً …… لكِ الوَيْلُ لا تَزْنِي ولا تَتَصَدَّقي
ونقل عبد الله بن محمد العبدلكاني الزوزني ( ت 431 هـ ) في كتابه ” حماسة الظرفاء ” عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه – وأشك بنسبته إليه – بلفظ :
رأيتُك تَبنِي مَسْجداً من خيانةٍ …… فأنتَ وبيتِ الله غيرُ موفَّقِ
كمطعمةِ الرمَّان من كسبِ فَرجِها ….. لكِ الويلُ لا تَزني ولا تَتَصدَّقي
وذكره ياقوت في ” معجم البلدان ” بلفظ :
كساعية للخير من كسب فرجها …… لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
وذكره المقريزي في ” المواعظ والاعتبار ” بلفظ :
كَمُطعِمَةِ الأيتام مِن كدِّ فرجِها …… لكِ الويلُ لا تزني ولا تتصدّقي
فالذي ينبغي أن ينصح به هؤلاء أن يسعوا إلى التوبة النصوح ، وتصحيح ما عليه من الحال والمقال ، أهم وأعظم من مجرد إنفاق هذه الأموال .
المكتب العلمي للدراسات والبحوث / قسم الفتوى
الثلاثاء 9 رجب 1439 هجرية 27 آذار 2018

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*