عاجل_ اخبار الدار
الرئيسية / قسم الدعوة والدعاة / الإطالة والإسهاب. ويسمى الإطناب. والكلام عليهما من وجوه

الإطالة والإسهاب. ويسمى الإطناب. والكلام عليهما من وجوه

تتمة أقسام المجاز

القسم الرابع والعشرون 

القسم السابع

القسم العاشر

الإطالة والإسهاب. ويسمى الإطناب. والكلام عليهما من وجوه

الاول : في ذكر الغرض الذي أتى بهما من أجله. الثاني في حقيقتهما ومجازهما. الثالث : في اختلاف علماء البيان فيهما. الرابع :فيما يستحسن فيهما وما يستقبح. الخامس : في أقسامهما. السادس :في الفرق بينهما.

أما الاول : فإن العرب جرت سنتهم على ذلك في خطبهم ومخاطباتهم ومفاخراتهم ومقاولاتهم يقصدون بذلك اظهار قدرتهم على الكلام وتوسعهم في النثر والنظام ، فيوجزون تارة ويطيلون أخرى ، هذا في الحقيقة ، وأما في المجاز فمرادهم الدلالة على قوة مشاهدة المعنى المجازى ..

وقال ابن الاثير : أتى بالإطالة والإطناب للمبالغة ، والمبالغة تنقسم إلى أقسام كثيرة : وقد سبق ذكر شيء منها كالاخبار بالفعل الماضي عن المضارع ، وبالمضارع عن الماضي ، ومن جملة أقسام المبالغة الإطناب وفائدته زيادة التصور للمعنى المقصود ، إما حقيقة أو مجازا ، وهو على الحقيقة ضرب من ضروب التأكيد.

وأما الثاني : فحقيقة الإطالة الامتداد والاسترسال وأصله في الاجرام. وأما الاطناب فحقيقته لغة الزيادة والمبالغة ، وأما حقيقته

الصناعية فهو زيادة في اللفظ لتقوية المعنى .. فأما ما جاء من ذلك على سبيل الحقيقة فقوله تعالى : ( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) فإن الفائدة في قوله ـ في جوفه ـ كالفائدة في قوله ـ القلوب التي في الصدور ـ وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصور المدلول عليه لأنه اذا سمع صوّر لنفسه جوفا يشتمل على قلبين ، وكان ذلك أسرع إلى الإنكار .. وأما الذي جاء منه على سبيل المجاز فمنه ، قوله تعالى : ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ففائدة ذكر ـ الصدور ـ هاهنا أنه قد يعرف أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو مصاب الحدقة بما يطمس نورها واستعماله في القلب استعارة ومثل فلما أريد اثبات ما هو بخلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف ليتقرر إن مكان العمى انما هو القلوب لا الأبصار. وهذا نوع من أنواع البيان عظيم اللطائف كثير المحاسن.

وأما الثالث : فقد اختلف علماء البيان فيهما فقال المحققون ، انهما متغايران .. وقال أبو هلال العسكري : الاطالة والاطناب سواء وهما عنده ضد الايجاز ووافقه جمهور الائمة. وقال أبو هلال أيضا في كتابه الاطناب في الكلام انما هو بيان والبيان لا يكون إلا بالاتساع ، وأفضل الكلام أبينه ، والايجاز للخواص والاطناب يشترك فيه الخواص والعوام ، ولهذا أطنب في الكتب السلطانية لافهام الرعايا. وكما أن الايجاز له مواضع ، فكذلك الاطناب له مواضع ، والحاجة إلى الايجاز في موضعه كالحاجة إلى الاطناب في موضعه. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ « خاطبوا النّاس على قدر عقولهم » ـ ومن استعمل الايجاز في موضع الإطناب ، والاطناب في موضع الايجاز ، فقد أخطأ فلا شك أن الكتب الصادرة عن السلطان في الامور العظيمة في الفتوح ، وتفخيم مواقع النعم المتجددة ، أو في الترغيب في الطاعة ، والتحذير من العصيان ،

وغير ذلك ينبغي أن تكون مشبعة مستقصاة.

وأما كتاب المهلب إلى الحجاج في فتح الازارقة وهو ـ الحمد لله الذي كفى الاسلام فقد ما سواه وجعل الحمد متصلا بنعمه وقضى أن لا يقطع المزيد من فضله حتى ينقطع الشكر من خلقه ، ثم إنا وعدوّنا على حالين مختلفين نرى فيهم ما يسرنا أكثر مما يسوؤنا ويرون فينا ما يسوؤهم أكثر مما يسرهم فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم ينصرنا الله ويخذلهم ويمحصنا ويمحقهم حتى بلغ الكتاب أجله فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ـ فإنما حسن هذا الكتاب لكونه في موضعه.

وأما لو كتب إلى العامة وقد تطلعت نفوسهم إلى معرفة ذلك الفتح العظيم ، وتصرفت بهم ظنونهم في أمره لجاء في أقبح صورة عندهم وأهجنها.

واعلم أن الاطناب بلاغة والتطويل عيّ فإن الاطناب بمنزلة سلوك طريق بعيدة تحتوي على زيادة فائدة بما تأخذ النفس منه من اللذة والتطويل بمنزلة شكوك ما يبعد جهلا بما يفوت ، فهذا حكاية كلام أبي هلال العسكري .. وقد ذكر ابن الاثير في جامعه على قول أبي هلال مأخذا فقال أما قول أبي هلال الاطناب في الكلام إنما هو بيان ، فإن البيان في أصل اللغة هو الظهور والوضوح فيكون الاطناب على قوله ظهورا في الكلام ووضوحا لا غير ، ويلزم على ذلك أن كل كلام ظاهر واضح إطنابا سواء كان ذلك الكلام ايجازا أو غيره من أصناف علم البيان ، وهذا مما لم يذهب اليه أحد لأن أبا هلال قد جعل الاطناب وصفا من الاوصاف التي يشترك فيها جميع ضروب الكلام ، وذلك أن البيان وصف يعم كل كلام ظاهر واضح من ايجاز أو تطويل أو تكرير أو غير ذلك ، وليس الأمر كما وقع له بل الاطناب نوع واحد من أنواع

الكلام ، فإن أصله في وضع اللغة من أطنب في الكلام إذا بالغ فيه كما تقدم.

الرابع : فيما يستحسن فيهما وما يستقبح. أما الذي يستقبح منهما فهو أن يطنب فيما لا ينبغي فيه الإطناب ويطوّل فيما ينبغي فيه الايجاز أو يطول فيما ليس في إطالته فائدة ولا فيه زيادة معنى كما روي أن رجلا استدعى لأداء شهادة على نكاح فقال : أشهد ان لا إلا إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأشهد أني كنت في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا في الدار الفلانية ( ووصفها ) من الحارة الفلانية ( ووصفها ) وسمى الساكنين بها من البلد الفلاني وقت كذا من النهار ، وقد طرق الباب غلام وذكر جنسه وأوصافه وحكاية تطول جدا .. وهذا النوع من الإطالة ليس في القرآن العظيم منه شيء.

وأما الذي يستحسن منهما فهو إطالة الكلام وترديده لتقوية المعنى في النفس وتعظيمه والبيان قوة الملكة في التلعّب بالكلام ، أو لكون المخاطب لا يصل الكلام الموجز إلى فهمه فهو محتاج الى بسط الكلام واتساعه حتى يفهم.

الخامس : في أقسامهما. أما أقسام الاسهاب والإطناب فقد اختلف فيه علماء علم البيان فقالوا : لا يخلو إما أن يكون في جملة واحدة أو في جمل. فأما الذي في جملة واحدة فعلى قسمين : حقيقة ومجاز. أما الحقيقة فقد يكون معنى اللفظ الزائد هو معنى المذكور ، ويكون مغايرا له. أما الأول : فكقوله تعالى : ( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ). وكقوله تعالى : ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) وكقوله تعالى : ( تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ).

وأما الثاني فكقوله تعالى : ( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ). وكقوله تعالى : ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ) وكقوله تعالى : ( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) .. وأما المجاز فكقوله تعالى : ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) واستعمال هذا مجازا أحسن .. وأما الذي في الجمل فأقسامه أربعة : الأول أن تذكر أشياء كل واحد منها يخص بما لولاه لكان المفهوم من الكل واحدا كقول أبي تمام :

من منّة مشهورة وصنيعة   بكر وإحسان أغر محجل

ولو قال ـ من منة وصنيعة واحسان ـ كان المعنى واحدا. وكذلك قوله :

   وليّ سجيّات تضيف ضيوفه   ويرجى مرجيّه ويسأل سائله

وكل هذه دلالة على زيادة كرمه .. والثاني : الاثبات والمنفي : وهو أن يذكر الشيء اثباتا ونفيا مع زيادة لولاها لكان ذلك تكرارا وتناقضا كقوله تعالى : ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ). وكذلك قوله تعالى : ( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) مع قوله : ( إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) .. الثالث : أن تذكر الشيء ، ثم تضرب له أمثالا تشتهى كقول البحتري يصف امرأة :

ذات حسن لو استزادت من الحسن إليه لما أصابت مزيدا فهي كالشمس بهجة والقضيب اللّدن قدّا والرّيم طرفا وجيدا

ـ وكذلك قوله :

   تردّد في حلّتي سؤدد   سماحا مرجّا وبأسا مهيبا

 وكالسيف إن جئته صارخا   وكالبحر إن جئته مستثيبا

الرابع : الاستقصاء في ذكر أوصاف الشيء للمدح ، أو الذم ونحوهما.

كقول بعضهم :

لأعلا الورى قدرا وأوفرهم حجى  وأرشدهم رأيا وأسمحهم يدا

وأما الاطالة فهي على قسمين : حسنة. وقبيحة. كما تقدم .. فأما الحسنة فهي على قسمين. الأول منها ما يكون بسطا للكلام واتساعا فيه كما ورد في القرآن العظيم مثل قصة يوسف عليه الصلاة والسلام بطولها ، وقصة أصحاب الكهف بذكر فروعها وأصولها ، وقصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام وكثرت فوائد محصولها ، وقصة ذي القرنين بطول مقولها ، وقصة موسى مع فرعون وكثرة فصولها.

الثاني : أن لا تكون الإطالة بسبب تكرار اللفظ وها نحن نذكر أقسامه ، ونبيّن إن شاء الله تعالى.

السادس : في الفرق بينهما. والفرق بينهما أن الإطناب على سائر أحواله بلاغة والتطويل بعضه عيّ وركاكة .. وقال ابن الأثير : الاطناب للخواص ، والإطالة للعوام. وهذا يحتاج الى تفصيل وقد تقدم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

مقتبس من كتاب (الفوائد المشوق الى علوم القرآن وعلم البيان )

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سماحة مفتي الجمهورية ” وفقه الله تعالى ” يلتقي وفد محافظة البصرة .

التقى سماحة مفتي جمهورية العراق ” رعاه الله تعالى ” في مكتبه بدار الافتاء … ...

أقوال وأعمال جائزتها مغفرة الله تعالى ؟.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد : هناك أقوال ...

تعزية مكتب الأمانة العامة ومفتي الجمهورية بوفاة مسؤول مكتب دار افتاء البصرة .

قال تعالى ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن ...