عاجل_ اخبار الدار
الرئيسية / قسم الدعوة والدعاة / القاعدة الفقهية الاربعاء 6 شعبان 1435

القاعدة الفقهية الاربعاء 6 شعبان 1435

القاعدة الثامنة: التفريق بين تعليل أحكام العبادات وتعليل أحكام المعاملات:

فمن يتأمل في الخطاب الدعوي المعاصر يرى الحماسة تأخذ بعض الدعاة فينطلق يلتمس التعليلات للأحكام الشرعية بعامة، سواءٌ منها ما كان في جانب العبادات أو المعاملات، فلقد سمعنا كثيراً من يتحدث عن الصيام معللاً له بالفوائد الاجتماعية والصحية، مع إغفال المقصد التعبدي، والغاية العظمى والمصلحة الكبرى المذكورة في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾  [ البقرة: 183].
وسمعنا أيضاً من يتحدث عن الصلاة كرياضة جسمية، وكوسيلة لتنظيم الوقت، وعن الحج كمؤتمر سياسي عالمي، وعن الزكاة كضريبة مالية هدفها إقامة التكافل الاجتماعي.. ونحو ذلك من التعليلات التي تتجاوز على المعنى التعبدي، ومعنى خلوص الطاعة والانقياد لله رب العالمين.
والذي نؤمن به وندين لله به: أن الله حكيم، وذو حكمةٍ بالغة، وأن جميع ما شرعه فيه حكمة ومصلحة للعباد.
لكن في مسألة تعليل العبادات ينبغي التفطن لأمرين:
الأمر الأول: أن أكثر العبادات غير معقولة المعنى، دل على ذلك الاستقراء، فالصلاة ـ مثلاً ـ تؤدى على صفةٍ مخصوصة، إن خرجت عنها لم تكن عبادة، وكذلك الأمر في بقية العبادات كالصوم والحج.
والمقرر عند أهل العلم أن الحكمة العامة في العبادات هي التذلل والانقياد لأوامر الله والخضوع له سبحانه وتعالى. ولذلك فالأصل في تعليل العبادة أن تعلل بالطاعة والانقياد والتسليم لله رب العالمين، ورجاء ما عنده من الثواب، ولا يتكلف لها تأويلات بعيدة.
قال الإمام العز بن عبد السلام: ((المشروعات ضربان:
أحدهما: ما ظهر لنا انه جالب لمصلحة أو دارئ لمفسدة… ويعبر عنه بأنه معقول المعنى.
الضرب الثاني: ما لم يظهر لنا جلبه لمصلحة أو درؤه لمفسدة، ويعبر عنه بالتعبد… ويجوز أن تتجرد التعبدات عن جلب المصالح ودرء المفاسد، ثم يقع الثواب عليها بناءً على الطاعة والإذعان، من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثواب، ودرء مفسدة غير مفسدة العصيان، فيحصل من هذا أن الثواب قد يكون على مجرد الطواعية من غير أن تحُصل تلك الطواعية جلب مصلحة أو درء مفسدة سوى مصلحة أجر الطواعية))[47].
 
والأمر الثاني: أن التعبد لله بما لا تعرف حكمته أبلغ من التعبد بما تعرف حكمته؛ لأن العبادة مبناها على التذلل والخضوع والانقياد والتسليم، وكون الإنسان يمتثل لأمر الله مع عدم معرفته بالحكمة فذلك أبلغ في الدلالة على كمال العبودية والتذلل[48].
 
وختاماً أسأل المولى القدير أن يجعل فيما كتبته علماً نافعاً، ونوراً هادياً، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

[1] انظر: شيخ الإسلام ابن تيمية: منهاج السنة النبوية ،ط 1 (دار الكتاب العلمية، بيروت، 1420هـ) 1/ 394، الإمام ابن القيم: مدارج السالكين ط1(دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت) 1/ 438-442، ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية ط1 (الدار الإسلامي عمّان 1419هـ) ص 254-262،  د. عبد الرحمن المحمود القضـاء والقـدر ط2 (دار الوطـن، الرياض، 1418 هـ) ص 242، وانظر تنبيه العلامة الشنقيطي في كتابه: مذكرة في أصول الفقه، ط1 (دار البصيرة، الإسكندرية، د.ت) ص 301-302.
[2] د. عبد الكريم زيدان: الوجيز في أصول الفقه، ط 7 (مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420 هـ) ص 203.
[3] عبد الرحمن عبد الخالق: البيان المأمول في علم الأصول، (ط دار الإيمان، الإسكندرية، د.ت) ص 152، محمد الخضري بك: أصول الفقه، ط1 (دار القلم، بيروت 1407هـ) ص 329-332.
[4] عبدالوهاب خلاف: علم أصول الفقه، (دار الفكر العربي، مصر 1416هـ)، ص 65.
[5] د. زيدان: الوجيز في أصول الفقه، ص 203، عبد الرحمن عبد الخالق: البيان المأمول، ص 152-153.
[6] الخضري بك: أصول الفقه، ص 298.
[7] محمد الأمين الشنقيطي: نثر الورود على مراقي السعود، ط1(المكتبة العصرية، بيروت 1425هـ) ص 311.
[8] د. زيدان: الوجيز في أصول الفقه، ص 203-204.
[9] وقد أوصلها بعضهم إلى عشرة مسالك، وفي إرشاد الفحول ذكر الإمام الشوكاني أحد عشر مسلكاً ، لكن حاصل هذه المسالك يرجع عند التحقيق إلى النص أو الإجماع أو السبر والتقسيم.
[10] د. زيدان: الوجيز في أصول الفقه، 212.
[11] متفق عليه، انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: 1393.
[12] جمال الدين الأسنوي: نهاية السول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول، ط1(دار ابن حزم، بيروت 1420هـ) بتحقيق د. شعبان محمد إسماعيل، 2/ 851.
[13] عبد الرحمن عبد الخالق: البيان المأمول، 159.
[14] محمد الأمين الشنقيطي:  مذكرة في أصول الفقه، ص284.
[15] جاء هذا النهي في أحاديث كثيرة، منها حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه، انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: 1021.
[16] عبد الرحمن عبد الخالق: البيان المأمول، ص 163.
[17] قال الإمام الشوكاني: ((وللعلة أسماء تختلف باختلاف الاصطلاحات فيقال: لها السبب والأمارة والداعي والمستدعي والباعث والحامل والمناط والدليل والمقتضي والموجب والمؤثر)) إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، (دار الفكر، بيروت  1412 هـ)  ص 352.
[18] عد بعض الأصوليين تنقيح المناط من مسالك العلة، وقال الرازي: هو نفس السبر والتقسيم، والتحقيق إثبات الفرق بين تنقيح المناط، وبين السبر والتقسيم، من حيث إن السبر والتقسيم مسلك يتوصل به إلى تعليل الحكم الشرعي، وأما تنقيح المناط فليس مسلكاً للعلة، وإنما هو مسلك لتهذيب وتخليص العلة المنصوصة مما اقترن بها من الأوصاف التي لا مدخل لها في العلية، وبعبارة أخرى: إن السبر والتقسيم يكون حيث لا يوجد نص يدل على العلة، وأما تنقيح المناط فيكون حيث يوجد نص يدل على العلة،. انظر: الإمام الشوكاني:  إرشاد الفحول، ص 329، وعبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه، ص74-75.
[19] رواه البخاري: 2460، ومسلم: 6333.
[20] الإمام ابن القيم: مفتاح دار السعادة (دار الكتب العلمية، بيروت،د.ت) 2/ 22-23.
[21] الشنقيطي: نثر الورود، ص 416.
[22] رواه البخاري: 5445.
[23] الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ط1(دار المنار، القاهرة، 1419هـ) 10/ 297.
[24] محمد بن أحمد السرخسي: أصول السرخسي، ط 1(دار الكتب العلمية، بيروت 1414هـ) 2/ 161.
[25] علي بن محمد البزدوي: كنز الوصول إلى معرفة الأصول (أصول البزدوي) (ط مير محمد، كراتشي، د.ت) ص 259.
[26] العلامة الشنقيطي: مذكرة في أصول الفقه، ص 363.
[27] المرجع السابق، ص 365.
[28] رواه مسلم: 252.
[29] محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب: عون المعبود شرح سنن أبي داود، ط2 (مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1412هـ) 1/ 75.
[30] محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (دار الفكر، بيروت  1415هـ) 1/ 94.
[31] انظر: الإمام النووي: المجموع شرح المهذب،  (ط دار الفكر، بيروت، د.ت)  6/175، 178، د. مصطفى الخن، وآخرون: الفقه المنهجي،  ط2(دار القلم، بيروت 1407)، 2/ 33-34.
[32] محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني: سبل السلام، ط4 (دار الكتاب العربي، بيروت 1407هـ)،1/86.
[33] الإمام الشوكاني: إرشاد الفحول،  1/ 304.
[34] الإمام السرخسي: أصول السرخسي،  2/146.
[35] انظر مثلاً: جمال الدين الأسنوي: نهاية السول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول، 2/ 765- 767.
[36] الشنقيطي: نثر الورود، ص 287- 288، الخضري بك: أصول الفقه، ص 271-272.
[37] د. زيدان: الوجيز في أصول الفقه، ص 379.
[38] انظر:  الإمام الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، ت. محمد عبد القادر الفاضلي، ط1 (المكتبة العصرية، بيروت 1423هـ)، 2/ 7-8.
[39] الإمام الشوكاني:  إرشاد الفحول، 1/ 319.
[40] الخضري بك: أصول الفقه، ص 304.
[41] شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى 1/ 265.
[42] محمد بن علي الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير  ط2 (دار الوفاء، المنصورة 1418هـ) بتحقيق د. عبد الرحمن عميرة، 2/ 150.
[43] شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى 32 / 234، باختصار .
[44] انظر:  الشاطبي: الاعتصام 2/ 98، الشوكاني: إرشاد الفحول: 1/ 322، الشنقيطي: المذكرة، ص 282.
[45] انظر: سيد سابق: فقه السنة ط 7 (دار الكتاب العربي، بيروت 1405هـ) 2/ 401-402.
[46] الإمام ابن القيم: الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب ط2 (دار البيان، دمشق 1408هـ) ص 13.
[47] أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ط2(مؤسسة الريان، بيروت 1419هـ) ص 19، باختصار.
[48] محمد بن صالح العثيمين: القول المفيد على كتاب التوحيد، ط1 (مؤسسة الرسالة، بيروت 1419هـ) 1/ 535.

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سماحة مفتي الجمهورية ” وفقه الله تعالى ” يلتقي وفد محافظة البصرة .

التقى سماحة مفتي جمهورية العراق ” رعاه الله تعالى ” في مكتبه بدار الافتاء … ...

أقوال وأعمال جائزتها مغفرة الله تعالى ؟.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد : هناك أقوال ...

تعزية مكتب الأمانة العامة ومفتي الجمهورية بوفاة مسؤول مكتب دار افتاء البصرة .

قال تعالى ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن ...